زينب..
حين تخطف الموت ابنته الصغرى "زينب" كان مايزال عقير الكأس ، وبقايا من رجل مشتت مابين الصحو والاندحار.
وإدمانه كل يوم يزداد ، تـَتـلَـقـَفهُ الشوارعُ كآبة ، ولحظةَ بؤس في أعين المارة والأهل والخلان...
حُملَ إلى مركز الشرطة ألف مرة ، وأُطْلـِقَ سَراحه في كل مرة.يئس الجميعُ منه ، وحتى زنزانة الردع ، لم تعد قادرة على احتواء رجل يحتضر من إنسانيته وينبت خواء على رصيف الحياة...
هذيان مستمر ، تنقلته شقوقُ رائحة كريهة من خمرة بأبخس الأثمان
وزيغانُ بَصر وشَعر أشعث ، اغـْبـَرَّتْ معه بصيرته..وضاع في ..خواء مقيت.
كانت "زينب الصغيرة" كلما مرت بجانبه وهي عائدة من المدرسة ، وقفت تمسح من على رأسه غبار اليوم وإهانات الصغار وتعب الليالي ...تكنس موضعه الذي اتخذه بيتا ، وتطبع قبلة على خديه ويديه..
أكان يعرف بأنها حبيبته؟ وحيدته؟ أكان يحس بلمسة يديها البريئتين؟
أكان يسمعها وهي تجيب فضولَ العابثين بالإنسان...كل من يحاول طمسها في خجل وضعية أبيها المسكين
" إنه فقط يحتاج إلى وقفة عميقة وعلاج طبي...إنه الغالي أبي الحبيب..."كانت تردد باستمرار وبهمس يكاد لا يصل الى أذنيها
ويهتف القلب دموعا ، تتوارى في ابتسامة أذهلتِ الجميعَ وصفق لها كل دخيل..
أكان يحس بذلكـ؟ .كم من مرة افتخر بابنته في لاشعوره المغيب...المشتت...الرافض لواقع الحال...؟؟؟ من يدري..
وذات يوم...
وهي تعبر الشارع بأقصى سرعتها ، لتحمي" أباها "من دهس سيارة كانت آتية من الجهة المعاكسة ، بسرعة منقطعة النظير، تواجهه مصيرا أخيرا...
ترتمي - زينب الصغيرة - في جزء من ثانية...تحت عجلات السيارةوتمتد أمتارا إلى الخلف و...
وتلفظ أنفاسها الأخيرة بعد ساعة من نقلها إلى المستشفى..
أجبروه على حضور مراسيم الجنازة بين مشفق وآخر يلعنه إهانة...
ورآها...لأول مرة يراها حبيبته" زنوبة " كما كان يحلو له أن يدللها حينما كان العقل ميناء صفاء...
وتذكر كل شيء...اغتسلت الذاكرة من وجع قديم وتراب عـَلـِقَ بها لا يدري كم من سنين...
تراجع إلى الخلف وجسدها الصغير تـُقرأ عليه الفاتحة ويـُوارى الترابَ ...لتعانق روحها الطيبة تباشير السماء حوريةمن حوريات النقاء والطيبة...
تراجع الى الخلف توقف عند آخر القبر..وبدأت يداه تنقي بعناية ، طفيليات الأعشاب الدائرة بالقبور المحادية ، بهمة ونشاط . طلب مكنسة وهو يزيل بقايا من زيارات سابقة لا ترحم المكان ، وسط ذهول وحيرة الجميع.ودم يتصاعد حبات عرق من جرح مثخن ، .يصنع الوجه تضاريس من ألم وتجاعيد تحاكيه وتجعله يصحو من سكر توحد بدمه منذ عهد بعيد.
انحنى على ركبتيه يحفر التراب بكل قوة ، ويرش الماء ، ويعيد الحفر...
ووقف في تلك الحفرة العميقة التي هندستها يده المتعبة ...ونظر الى الجميع قائلا:
" ألم يكن من العدل أن أكون أنا..."
ترفق به الأصحاب وساعدوه على النهوض محاولين مسح دمعة حَرَّى من أعماقه تبحر فيه ومنه اليها حبيبته "زنوبة"
صار الجميع يعرف الان "عمي المختار" حفار القبور "أبو زنوبة ".
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire